ضد الامبريالية والارهاب،

تقرير رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية غينادي زيوغانوف

الى المنتدى الدولي الثالث المناهض للفاشية

24 مايو/أيار عام 2026

مدينة موسكو

الرفاق الكرام! الاصدقاء الاعزاء!

نجتمع اليوم للمشاركة في المنتدى الدولي الثالث الناهض للفاشية، لمناقشة مهامنا المشتركة في النضال من أجل السلام والامن والصداقة بين الشعوب والعدالة الاجتماعية. إن هذه الأنشطة متعددة الأوجه لقوى اليسار لا يمكن القيام بها بمعزل عن النضال ضد الامبريالية وإرهاب الدولة والاعتداءات العسكرية والاستعمار الجديد والرجعية والفاشية الجديدة.

إن الرأسمال يواصل توسعه العالمي الذي يحقق اهدافه إستنادا الى ركيزتين رئيسيتين هما القوة البدنية والتلاعب بالوعي.

ففي روما القديمة أصر شيشرون على أن إزدهار اي دولة يعتمد على “اتحاد السيف والمحراث”،  قاصدا بذلك الجمع بين القوة العسكرية وقوة الإقناع. وكرر هذه الفكرة ذاتها – بعد مضي قرون – الايطالي مكيافيلي الذي نصح الحاكم بتقليد الأسد والثعلب، اي الجمع بين إستخدام القوة والدهاء معا.

القد أصبح ظهور البروتستانتية مرحلة هامة لتثبيت الرأسمالية. فقد وضعت المسيحية المبكرة الأخلاق والحياة وفقا لـ “القوانين الإلاهية” على رأس مبادئها، ودعت الى مساعدة الفقراء وادانت الترف، بينما ربطت البروتستانتية بين العقيدة والإثراء. فقد علم الوعاظ البروتستانت الناس، أن النجاح المادي هو دليل واضح على ان الإنسان “يُرضي الله”. اما الفقر والحرمان فكان يُنظر اليهما على أنهما “ختمُ لعنة”.

هكذا أُنشئت في اوروبا قاعدة إيديولوجية للإثراء والإستغلال والتوسع.  ونظر الرأسماليون الى عامة الناس في بلادهم، وسكان القارات الأخرى على أنهم “منبوذون”.  ونُزعت عنهم ثروتهم لصالح “مختاري الله”. فقد نمت على اساس هذه الأفكار الباطلة امبراطوريات برجوازية.

لقد حقق الغرب نجاحات كبيرة في مجال الجمع بين مختلف أساليب السيطرة، ما أتاح لها التحول الى قوة عالمية رئيسية واقامة السيطرة على البشرية. وإستخدم الغرب – بهدف الحفاظ على هيمنته – وسائل التلاعب بوعي الجماهير الشعبية. وأصبحت هذه المنظومة عالمية حقا مع تطور التقنيات الحديثة.

وبحلول مطلع القرن الحالي، تعالت تأكيدات على أن الإنترنت سيقضي على إحتكار المعلومات. لكن هذا التفاؤل كان خاطئا. فإمتلاك وسائل الإنتاج هو ضمانة للسيطرة الإقتصادية والسياسية. وليس مهما، ما اذا دار الحديث عن الإنتاج المادي او عن المعلومات.

من السذاجة الإعتقاد بأن أفكار الحرية والديموقراطية تُعد دوافع لأصحاب منصات الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي ومراكز البيانات. إن أهدافهم الحقيقية هي الإستغلال والأرباح القصوى والسلطة.

يحدث الشيءُ نفسُه مع “الذكاء الإصطناعي” الذي لا يمكن إعتباره “هدية القدر” او هدية “الخبراء الطيبين في البرمجة” الى سائر العالم، بل إنه مورد آخر في أيدي أولائك الذين يملكون رأس المال. فمن الواضح تماما ان الرأسمالي سيستخدمه للإثراء وتعزيز هيمنته.

إن فهم هذه الظواهر أمر في غاية الأهمية لنجاح النضال الذي نخوضه الآن. إن خصومنا الأيديولوجيين يبذلون كل ما بوسعهم لإحتكار “فضاء المعاني”، ما يوطد قوة رأس المال العالمي في المعركة من أجل مستقبل البشرية.

فحتى في ظروف ازمة الرأسمالية، وفي ظل تراجع مراكز التطور القديمة وظهور أخرى جديدة، فان ألاوليغارشية العالمية يمكنها أن تعيد – خلال فترة طويلة – خلط “أوراق اللعب”، وتحريض الشعوب والبلدان على بعضها البعض، وإختلاق المزيد من “صور العدو”، وستظل إرتداء مسوح “منارة الحرية والديموقراطية” تارة، او “المدافع عن القيم التقليدية” تارة أخرى. وستظل تبذل الأوليغارشية العالمية كل ما بوسعها كيْ لا يدرك الناس مصالحهم الطبقية ولا يفهموا أن جذور المشاكل لا تكمن في خصائص الأعراق  والأمم والعادات والثقافات، بل في طبيعة النظام الاقتصادي والإجتماعي وفي إمتلاك وسائل الإنتاج.

إن فهم هذه الامور وتوضيحها للعمال مهمة بالغة الأهمية للشيوعيين وكل القوى الوطنية. فان البروليتاريا ستظل لعبة في أيدي الرأسمال اذا لم تدرك طبيعته الطبقية. وستُفرض عليها أفكار وقيم الغير. كما كتب احد مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي انطونيوغرامشي، فإن العمال يجب أن يكتسبوا رؤية جديدة للعالم. ويتمثل دور الشيوعيين في مساعدة الطبقة العاملة على إكتساب الوعي الطبقي ووضع مفهوم جديد للحياة.

إن البرجوازية تفرض بمهارة أخلاقها وقواعد سلوكها على الجماهير. ويستخدم الغرب بشكل ماهر آليات التلاعب بالوعي. فاذا بدأت الدولة – التي يحكمها رأس المال – في “الترنح” ، فإن بنية المجتمع البرجوازي ستأتي لإنقاذها. إن الدولة ليست الا “خندقا اماميا” للرأسمالية، تقف وراءه سلسلة متينة للقلاع والتحصينات الأيديولوجية التي أنشأتها الاوليغارشية.

لايمكن إختراق هذا الخط الدفاعي بتوجيه ضربة سريعة “مباشرة”. فلا بد هنا من خوض “حرب موضعية” دقيقة وطويلة من أجل وعي العمال، وفي سبيل “نقلهم” من المعسكر البرجوازي  وجذبهم الى المعسكر البروليتاري.

ينبغي أن نتذكر ان الغرب لم يكن دائما “محركا” للإقتصاد العالمي. فحتى القرنين الـ 17 – 18 كانت اوروبا قد تخلفت، من حيث حجم اقتصادها، عن كل من الصين والهند وعدد من البلدان الاخرى. فما جعل اوروبا “زعيما عالميا” هو توسع جامح لايرحم، تستر بمفاهيم خاطئة لدورها الإستثنائي كـ “مخلص البشرية”، وتكمن في هذه المفاهيم جذورُ الفاشية وغيرها من أشكال الهيمنة.

لقد كانت فكرة تفوق العرق الأبيض مبررا لـ “الفتوحات الإستعمارية”، ولإبادة السكان الأصليين وتجارة الرقيق. وكان يُنظر اليهم كـ “اناس من الصنف الثاني”، لم يتمتعوا بحقوق الإنسان.

في عام 1825 اصدرت المحكمة العليا الأمريكية “عقيدة الإكتشاف” التي جردت السكان الأصللين (الهنود الحمر الذين عاشوا هناك طوال قرون) من ملكية اراضيهم، زاعمة أنها ملكية لمن “إكتشفها”. وهكذا تم إختلاق “اساس قانوني” لتهجير الهنود الحمر ونقلهم الى معسكرات، ثم إبادتهم.

لقد تم جذب العديد من لأيديولوجيين الغربيين لتبرير التمييز العنصري.  فقد ألف احدهم، الإنجليزي توماس كارليل مقالا بعنوان “مسألة الزنوج” («The Nigger Question»)، قال فيه إن “الله جعل السود عبيدا لمن وُلد أسيادا لهم”. واستنكر كارليل بشدة المناضلين من أجل إلغاء العبودية وصفا إياهم بـ “إتحاد حماية الأوغاد”.

وكان أيبديولوجي الإمبريالية البريطانية سيسل رودس قد اصر على أن “الله يريد هيمنة العرق الأنجلو ساكسوني”. فقد كتب يقول ” رفعتُ عيني الى السماء ثم أنزلُتمها الى الأرض. فقلتُ لنفسي : يجب أن يصبح هذا و ذاك بريطانيا. وإتضح لي أن البريطانيين هم خيرُ عرق جدير بالهيمنة العالمية”.

وفي كتابه “كفاحي”، ضرب أدولف هتلر للألمان مثالا للإمبراطورية البريطانية في القرن الـ 19. فقد إستند في نظريته العرقية الى أعمال الإنجليزي هيوستن تشيمبرلن، الذي أطلق عليه  الدعائيُ الرئيسي للرايخ الثالث جوزيف غيبلس “أب روحنا”.

لقد رافقت الافكار العصرية منذ البداية  “الفتوحات الرأسمالية”. ويقوم النظام البرجوازي على زيادة الأرباح بأي ثمن.  ففي البداية خطف رأس المال الأوروبي “الفتي” أراضي فلاحيه، وقام بتهجيرهم الى “ديار العمل”، ثم بدأ بإستعباد الشعوب والقضاء على الحضارات بكاملها. فقد كتب كارل ماركس وفريدريش إنجلس أن  “الصناعة الكبيرة خلقت سوقا عالمية، أعدها إكتشافُ أمريكا”.

لقد بدأ رأس المالُ بمرحلة جديدة لتوسعه العالمي مع الإنتقال الى الإمبريالية. وركز فلاديمير لينين على ميزات التوسع الرئيسية. فمنها، أولا، تركيز الإنتاج ورأس المال، ما أدى الى إنشاء الإحتكارات التي لعبت دورا حاسما على الصعيد الإقتصادي، وثانيا، إندماج رأس المال المصرفي بمثيله الصناعي وإنشاء “رأس المال المالي”، والأوليغارشية المالية، ثالثا، تصدير رأس المال، الذي يصبح أكثر أهمية من تصديرالبضائع، رابعا، تشكيل تحالفات إحتكارية للرأسماليين وإعادة تقسيم العالم، خامسا، إستكمال تقسيم العالم من قبل كبريات الدول.

وصف لينين الإمبريالية بأنها نظام عالمي للظلم الإستعماري والخنق المالي للأكثرية الساحقة من سكان الكرة الأرضية من قبل حفنة من البلدان الإمبريالية. فقد أثبت مؤسس البلشفية أن الإمبريالية تتميز بالنزعة الرجعية والتطفل. ويقيم رأس المال الكبير هيمنته الديكتاتوري على المجتمع، سعيا منه لقمع  حركتيْ العمال والتحرر الوطني، ما يترتب عليه من إشتداد وتصاعد النزعتين الرجعية والعسكرية.

ففي ظل الإمبريالية تميل البرجوازية – بصورة أكثر وضوحا – الى الرقابة الشاملة على حياة المجتمع. واشار لينين بقوله إن “رأس المال المالي يسعى للهيمنة، لا للحرية”. ومضى يقول إن “إشتداد النزعة الرجعية على طول الخط هو سمة مميزة للإمبريالية”.

إن التطور الإقتصادي يجذب الملايين من البشر في قطاع الإنتاج، ويساهم في نشر مكونات المعرفة. ويجتاج المستغلون بأمس الحاجة الى أكثرأساليب هيمنتها تفننا، أيْ الى التلاعب بالوعي.

ولم يكن الأمر محصورا في الترابط الفكري بين الرأسمالية الأنجلوساكسونية وبين الفاشية فقط. فقد قام رأس المال الغربي برعاية الأنظمة الفاشية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من البلدان. وحظيت الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية بدعم سخي قدمته لهما الأوليغارشية. وكان ذلك ردا على الموجة الثورية في أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى. فإن جمهورية بافاريا السوفييتية، وإنتفاضة هامبورغ، وإضرابات الجماهير، أصبحت دليلا على الازمة العميقة للنظام البرجوازي.

بحلول عام 1922 تشكلت في بافاريا مجموعة من الصناعيين الذين راهنوا على أدولف هتلر. فقد وردت الى الفاشيين (النازيين) الألمان أموال ضخمة من الولايات المتحدة وتحديدا من هنري فورد. فقد منحه هتلر في عام 1938 جائزة “الصليب الأكبر للنسر الألماني” وهي أعلى جائزة منحها الرايخ الى الأجانب.

لقد تنامى دعم النازيين بسرعة.  فقاد قام طواغيت المال  الصناعيون والماليون الألمان بتمويل الحزب النازي. كما دعمهم ممثلو البنك الألماني، والبنك التجاري وجمعية الإئتمان الإمبراطورية.

اصبح الإجتماع الذي جرى بتاريخ 20 فبراير/ شباط عام 1933 ذروة لإتحاد رأس المال الكبير والنازيين. فقد أيد رؤساء ومدراء الشركات الكبيرة والبنوك نهج هتلر الديكتاتوري. وبعد مرور اسبوع على هذا الأجتماع، حدث إحراق الريخستاغ.  وأصبح هذا الإستفزاز مبررا لتصفية خصوم هتلر والتنكيل بالشيوعيين.      

  لقد ساهمت الدول الغربية على تعزيز النازية. فقد راقبت لندن وواشنطن بهدؤ، كيف خرق النازيون معاهدة فرساي وقاموا بإنشاء “الفيرماخت”، وساروا على طريق  تسارُع النزعة العسكرية. وواصلتا إقراض ألمانيا وتزويدها بالخامات الإستراتيجية، وشاركتا في بناء أسطول الغواصات، وقامتا بتوريدات الأسلحة والمواد الى النازيين.

لقد تلقى نظام موسوليني هو الآخر دعما من الولايات المتحدة. وقدمت “دار مورغان” قروضا ضخمة الى ألمانيا. واصبحت إيطاليا احد المتلقين الرئيسيين لرأس المال الأجنبي في أوروبا. اما واشنطن فأغمضت – بوقاحة – عيونها عن سياسة روما الخارجية العدوانية.

أيها الرفاق الكرام! يبقى أقل من شهر حتى اليوم المأسوي في التاريخ العالمي، حيث سيمر 85 عاما على يوم غزو الفاشية الألمانية للإتحاد السوفييتي وبداية الحرب الوطنية العظمى لأعوام 1941 – 1945.

لقد أدى النضال البطولي للشعب السوفييتي بقيادة الحزب الشيوعي الى هزيمة الفاشية. ودفع شعبنا ثمنا باهظا لقاء نصرنا المقدس. ففي ساحات القتال لقي مصرعه كل سادس مواطن سوفييتي، وكل ثالث مواطن بيلاروسي وكل ثاني شيوعي.

لكن.. ما دامت الرأسمالية حية، ستتضمن ترسانته دائما، الفاشية والإرهاب وإبادة الشعوب وغير ذلك من الجرائم الدموية.

اصبح موقف الدول الغربية من المجرمين النازيين في سنوات ما بعد الحرب أمرا بليغ الدلالة. فقد أفلت العديد منهم من العقاب.و راحوا يتعاونون مع الولايات المتحدة وساهموا في إنشاء حلف الناتو، واصبحوا مقاتلين في “الحرب الباردة”، وعملوا في “إذاعة الحرية” و”الموجة اللمانية” وغيرهما من وسائل الإعلام المعادية للإتحاد السوفييتي. إن كل ذلك دليل مباشر على التحالف العميق بين رأس المال الكبير والنُخب الليبرالية والأنظمة الفاشية. فإنها – مجتمعة – شكلت “كتيبة” موحدة لمن خنق الآمال والتطلعات الثورية للبشرية.

إن رأس المال الأوليغارشي لم يفارق – ولا للحظة واحدة – المخططات الإنتقامية والثأرية. فقد كانت المدن والقرى السوفييتية لا تزال واقعة وسط الأنقاض، حين بدأ “حلفاء أمْس” بوضع خطط لإنزال ضربة نووية الى الإتحاد السوفييتي. فقد إندلعت “الحرب الباردة”، والصراعان الدمويان في كل من كوريا وفييتنام.

لقد حاول رأس المال إنقاذ الإمبراطوريات الإستعمارية من الإنهيار بكل الطرق، وأغرق في الدماء حركة التحرر الوطني. إن الإرهاب  لم يختف قط من ترسانة الرأسمالية. فبحوزتنا آلاف مؤلفة من الأدلة على ذلك. فقد عرضنا البعض منها في فيلم بعنوان “الإمبريالية والإرهاب”على القناة التلفزيونية للحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية “الخط الأحمر”. فقد بدأ عمل منتدانا من مشاهدة هذا لفيلم.

لقد وجهت الإمبريالية قواها الشريرة لتقويض الإتحاد السوفييتي بوصفها سندا رئيسيا لحركة التحرر. وللأسف، تمكنت الإمبريالية من القيام بذلك. لكن الهزيمة المؤقتة للإتحاد السوفييتي لم تصبح نصرا لرأس المال الكبير. فقد رفع راية الإشتراكية – عاليا – الحزبُ الشيوعي الصيني. وتحولت الصين الى زعيم عالمي للتنمية الإقتصادية والإجتماعية.

ففي ظل وجود الإتحاد السوفييتي ومجلس التعاون الاقتصادي ومعاهدة وارصو، كان لدى رأس المال عدو مشترك ورغبة في “الفوز بالمسابقة” مع الإشتراكيية، ما أصبح زخما جبارا للتطور. فقد عمل الرأسماليون على  رفع جودة المنتجات وأقدموا على تنازلات الى العمال، ووسعوا الضمانات الإجتماعية. 

ومع تدميرالاتحاد السوفييتي بدأ الإنحطاط الشامل للرأسمالية، ما يطال الإقتصاد والحياة الإجتماعية والسياسة والأخلاق. وتسارعت أزمة المؤسسات الديموقراطية والنظام الإنتخابي.

يرد رأس المال – على تزايد مشاكله – بتصعيد النزعة العسكرية بشكل صريح، مستفزا بذلك التوتر الدولي. ويتزايد خطر إندلاع حرب عالمية جديدة.

لقد قامت الدول الغربية بتفعيل ممارسات الإستعمار الجديد، وبين أدواته الرئيسيةكل من نظام الدولار، و”عبودية ديون” صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، والضغط الإعلامي، والرهان على الطابور الخامس الموالي للغرب. وتقوم الدول الغربية بفرض عقوبات على الدول “غيرالمرغوب فيها”، وتستخدم أدوات اخرى، منها الإستفزازات، و”الثورات الملونة” والتدخلات العسكرية. ومرت بهذه التجربة القاسية شعوبُ يوغوسلافيا والعراق وليبيا وسوريا وإيران وفينزويلا.

تقوم قوى الرجعية العالمية – بقسوة خاصة – بالتنكيل  باوكرانيا البلد الشقيق لنا. فقد تم تحويلها الى حقل تجارب عسكري. إننا نقدم دعما شاملا لاولائك الذين يحاربون على الجبهات ضد نازية بانديرا. فقد أرسلنا الى دونباس أكثر من مئة وخمسين قافلة محملة بالمساعدات الإنسانية. كما أننا نستقبل بشكل دوري الاطفال القادمين الينا من هناك للنقاهة والإستجمام. ونود أن نعرب عن شكرنا لكل من يساعدنا في هذه القضية الهامة.

إننا نعبر عن خالص شكرنا للأحزاب والحركات التي وصل مندوبوها الى هذا المنتدى، على موقفكم المبدئي، وتضامنكم مع الموقف المناهض للفاشية الذي يتخذه بلدنا في هذا الاوقت الصعبة. كما نعرب عن بالغ إمتناننا للشعب الكوري على موقفه الحازم وشجاعته في النضال ضد النازية الجديدة.

لقد ركز رأس المال على تفكيك الدولة الإجتماعية.  ولقيت الموجة النيوليبرالية مقاومة من قبل الجماهير الشعبية. يتزايد الآن سخط سكان الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانبا وإيطاليا وغيرها من البلدان. وتتسع إحتجاجات العمال على سياسة السلطات البرجوازية.

وبالتزامن ما ذلك تتسع الحركة النيوكولونيالية. فإن بلدان الجنوب العالمي تطالب بمزيد من الحزم بالتحرر التام من تراث السياسة الإستعمارية للدول الغربية.  وتتكون على كوكبنا بالتدريج، ظروف كفيلة بالمتغيرات واسعة النطاق نحو الافضل. ولا بد من جعل هذه العملية عملية لا رجعة فيها.

ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا الى مبادرات الصين الهادفة الى بناء عالم اكثر عدلا. فبعد طرح مفهوم المصير الموحد للبشرية، تقدم رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ بمقترحات هامة في مجال التنمية الشاملة والأمن والتواصل بين الحضارات. ففي سبتمبر/ ايلول الماضي تم – في تيان تسينغ التقدم بمبادرة الإدارة العالمية.  ومما له دلالته أن هذه المبادرة تم طرحها في قمة منظمة شانغهاي للتعاون. ومن شأن الدول الأعضاء في هذه المنظمة وفي مجموعة بريكس، أن تنهض بدور خاص في بناء  منظومة جديدة للعلاقات الدولية.

يرد رأس المال – على الحرص على زعزعة مواقعه – بخطوات ترمي الى إقامة السيطرة الكاملة على البشرية. فانه يعتزم  – لبلوغ هذا الهدف – إستخدام أحدث وسائل الإتصالات، منها الإنترنت، وشبكات التواصل الإجتماعي، والذكاء الإصطناعي. ولم تعدْ هذه الأهداف سرا على أحد في الوقت الحاضر. وتشير إليها مقالات بلقلم القائمين على شركة “بالانتير تكنولوجيز”.

لقد أكدتُ في مطلع هذا القرن في مقالتي بعنوان “العولمة و”الإمبريالية الجدية” بقولي إنه تندلع على الكوكب – بالفعل – حرب عالمية ثالثة… ففي البداية كانت هذه الحرب “باردة”، ثم تحولت الى “دافئة” اما الآن ، فبهجوم العولمة تتحول هذه الحرب الى مرحلة ساخنة… فالبشرية “تجلس” على برميل البارود، تشتعل حوله شرارات جديدة”.

يعيش العالم المعاصر عملية الانتقال الى عالم متعدد الأقطاب، حيث تضعف هيمنة رأس المال الغربي، وتتزايد الخلافات بين الإمبرياليين، ما تحول الى مواجهة بين الولايات المتحدة وبين الإتحاد الأوروبي، والى خلافات حادة بداخل حلف الناتو وغيره من الأحلاف.

لكن بناء النظام الدولي العادل ما زال هدفا بعيد المدى. فان المراكز القديمة للقوة تتشبث بالهيمنة العالمية. إنها مستعدة – من أجل الحفاظ عليها – لإستخدام ما في ترسانتها من الضغوط السياسية والمالية والإعلامية والعسكرية.

لابد من الإعتراف بانه لا تسعي كل أقطاب النفوذ الحديثة لبناء عالم تسوده المساواة في الحقوق. ففي حالات كثيرة،  لا تهم الأوساط الحاكمة في هذه الأقطاب إلا إعادة تقسيم الأسواق ومجالات السيطرة. لذلك فإننا ممثلوا القوى اليسارية والقوى الوطنية، يجب ان ندرك أن مجرد تبديل زعماء العالم  في إطار الرأسمالية لن يحرر العمل من الإستغلال. فإن الإشتراكية وحدها تضمن بديلا واقعيا له.

إن الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية – بتطوير وصف لينين للإمبريالية – يركز على عدد من السمات الأساسية للعولمة. فاولا، تشتد سيطرة رأس المال المالي على الإنتاج الصناعي. فإن عمالقة الرأسمالية، مثل “بلاك روك”، “غولدن ساكس”، جي بي مورغان تشيز”، هم – في الحقيقة – يملكون أكبر الأصول العالمية. فان مواردهم تزيد عن إمكانيات عدد من الدول بأكملها.

ثانيا، يُبنى الٌتصاد العالمي على التبادل غير المتكافيء. فإن الدول النامية تورد الخامات الرخيصة وتشتري المنتجات الجاهزة بأسعار غالية. و تشتد عبودية الديون. فوفقا لمعطيات الأمم المتحدة، يقترب الديْن العالمي من 100 تريليون دولار. ويعيش حوالي نصف البشرية في بلدان تُنفق على خدمة الديون مبالغ تزيد عن الأموال المخصصة للصحة العامة والتعليم.

ثالثا، فإن النمط العالمي لتقسيم العمل يأتي لتثبيت التفاوت الإجتماعي الهائل. فوفقا لتقديرات مؤسسة “اوكسفام”، بلغ إجمالي ثروة المليارديرات 18،3 تريليون دولار، وفقا لنتائج عام 2025، ما يزيد بالضعف عما كان عليه في عام 2020، ويزيد بسبع مرات عما كان عليه في عام 2000. ففي العام المنصرم تجاوز عدد المليارديرات في العالم – ولأول مرة – عن 3000 شخص.  وجدير بالذكر أن 12 شخصا هم الأغني في العالم يملكون ثروة  تفوق ما  يملكه النصف الأفقرمن سكان الكرة الأرضية.

رابعا، يشتد كثيرا نفوذ رأس المال العابر للحدود على السياسة. ويحدد اكبر رجال الأموال والشركات نهج الدول السياسي. وتستعرض الإدارة الأمريكية إندماجا وثيقا للسلطة والمجموعات الصناعية المالية. وتأتي معطيات “أوكسفام” لتكرر – حرفيا – إستنتاجات لينين بشأن الترابط بين الشركات الإحتكارية والقوى الرجعية السياسية.  تشتد النزعة السلطوية. وأشار المدير التنفيذي لـ “أوكسفام” اميتاب بيخار الى ان “الحكومات تتخذ قرارات خاطئة لإرضاء الُنخب والأغنياء، قامعة حقوق المواطنين وغضبهم الناتج عن إرتفاع تكاليف معيشتهم التي اصبحت عبئا لا يُطاق بالنسبة للأكثرية”.

خامسا، فإن القانون الدولي  يُستبدل – في جالات كثيرة – بنظام “القواعد” التي تأتي بمنفعة للأوليغارشية العالمية. إن الدول الوطنية تفقد سيطرتها على العمليات الإقتصادية. ويستخدم رأس المال الكبير المؤسسات الدولية كأداة للضغط. اما التصريحات والمزاعم المتكررة بشأن “حرمة الملكية الخاصة” فإنها لا تمنع الغرب من تجميد ومصادرة أصول بلدان أخرى.

سادسا، فان التوسع الإعلامي الثقافي اصبح شكلا مستقلا ومدمرا للغاية من أشكل العدوان. ويتم غرس أنماط الإستهلاك والسلوك عبر المنصات الإعلامية العالمية وشبكات التواصل الإجتماعي، والإحتكارات الرقمية. اما محاولات بعض الدول الهادفة الى حماية سيادتها الإعلامية، فتوصف – وسط ضجة مثارة بهذا الشأن – بأنها “تطاوُل على حرية الكلمة”.

واخيرا، يشتد الطابع المتطفل لرأس المال العالمي الذي يستغل بمهارة منافع التقدم التكنولوجي، بينما يعيش جزء لا يُستهان به من البشرية حالة الفقر والتبعية. وبالتزامن مع ذلك يتزايد خطر أزمة البيئة والإنحطاط الروحي. وتصبح العلاقات الإجتماعية خالية من الروح الإنسانية. واصبحت رمزا لهذا الوضع، مأساةُ الشعب الفلسطيني وردود فعل لدول الغربية عليها.

ويستند رأس المال من جديد، بمزيد من النشاط،  كما كان في القرن الماضي، الى قوى اليمين المتطرف. وتقوى في اوروبا أحزاب اليمين المتشدد التي تبدي تعاطفها مع هتلر وموسوليني وفرانكو وخورتي.  وفي امريكا اللاتينية يبرر بعض الشخصيات السياسية جرائم الأنظمة الديكتاتورية العسكرية. واصبحت خطوات الصديق الحميم لـ دونالد ترامب في الأرجنتين، خافيير ميلاي، رمزا لسياسة اليمين الراديكاية المتشددة.

يوحد الجمهور الرجعي اليوم،كل من نزعة معاداة الشيوعية بشكل عدواني، والـ “روسوفوبيا”، والسعي للإملاء العالمي. إن هذه القوى مستعدة لإستخدام كل جبروت الجيوش والأجهزة العامة لتثبيت هيمنتها.

إن الولايات المتحدة  تنظر بمزيد من الحدة الى منجزات الصين الإشتراكية على انها تحد إستراتيجي لها. وتحرص واشنطن على ان تعيد الى نفسها وضع مركز صناعي عالمي رئيسي. ومن اجل تحقيق هذا الهدف تقوم واشنطن بإضعاف أوروبا، من خلال إخضاعها لمصالح الولايات المتحدة، ما يعمق – بشكل منطقي – التناقضات والخلافات بين الإمبرياليين. ومع ذلك لا بد من الإشارة الى أن الرأسمالية تحافظ على قدرتها العالية على التكيف والبقاء. فبالإضافة الى القوة العسكرية، تستند الرأسمالية الى الرقابة الإعلامية  وتتلاعب بالوعي الإجتماعي. انه أمر مر ومضحك، حين نرى أن قمع الخصوم السياسيين يجري تحت شعارات حماية الديموقراطية. فان منع الخصوم من المشاركة في الإنتخابات وتشديد الرقابة وحملة “إلغاء” الثقافة الروسية، إن كل ذلك اصبح جزءا من حياة الغرب الس